محمد فاروق النبهان

172

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

والأمر في جميع الأحوال لا يترتب عليه شيء ، فالمصاحف موحدة ونصوصها واحدة ، ولا مجال للتفريق أو الاختلاف ، بين المصاحف العثمانية والمصاحف التي كتبت بعد ذلك حتى اليوم ، ولم يلق كتاب من أوجه العناية والرعاية والضبط ما لقيه القرآن ، سواء في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم وعصر صحابته أو في العصور اللاحقة ، فالقرآن واحد في جميع العصور ، ولدى جميع المذاهب الإسلامية ، وحتى من اعترض على ذلك من بعض المذاهب الإسلامية متهما « عثمان » بالتحيز ، طاعنا في قراره بإحراق المصاحف الأخرى ، فإنه سرعان ما يعترف بأن مصحف عثمان هو أدق المصاحف وأصحها ، وأن المصاحف التي أمر بإحراقها لم يبذل فيها من وسائل الضبط والدقة ما يجعلها في مستوى مصحف الإمام الذي أجمعت الأمة على قبوله ، وأجمع الصحابة على مطابقته لمصحف أبي بكر الذي اعتمد في جمعه على كتاب الوحي وحفظة القرآن . حكم النقط والتحلية : روى الحافظ ابن أبي داود السجستاني المتوفى سنة 316 ه في كتابه المصاحف ، روايات كثيرة عن الصحابة والتابعين تؤكد كراهيتهم لتصغير المصحف والتعشير والفواتح ، وروى عنه قوله : لا تكتب المصاحف صغارا ، وروي عن سفيان الثوري قوله : كانوا يكرهون النقط والتعشير وإحصار السور ، وروي عن عبد اللّه بن مسعود قوله : جردوا القرآن ولا تخلطوا به ما ليس منه ، وروى شعبة عن أبي رجاء قال : سألت محمد بن سيرين عن المصحف ينقط بالنحو قال : أخشى أن يزيدوا في الحروف « 1 » . ويبدو من الروايات أن كراهية النقط ليست لذات النقط ، وإنما كانت بسبب الخوف من زيادة في القرآن ، ولهذا نسب إلى ابن سيرين قوله : لا بأس بنقط المصحف « 2 » .

--> ( 1 ) انظر كتاب المصاحف لابن أبي داود ص 136 ، تحقيق أرثر جفري المطبعة الرحمانية . ( 2 ) انظر كتاب المصاحف لابن أبي داود ، ص 143 .